
أصدر رئيس «مجلس الإفتاء الأعلى» أسامة الرفاعي بيانًا توضيحيًا عقب السجال الذي أثاره لقاؤه بوفد إندونيسي، أعلن فيه رسميًا إنهاء عمل «المجلس الإسلامي السوري» وتأسيس هيكل ديني جديد بالتنسيق مع سلطة الجولاني. غير أن الخطورة الحقيقية لم تقف عند أبعاد الهيكلة الإدارية، بل تجسدت في التغطية الصريحة للتيار السلفي التكفيري واعتباره جزءًا أصيلًا من النسيج العلمي والدعوي في سوريا، في انقلاب خطير على الهوية الدينية والتاريخية للبلاد.
تأتي تصريحات الرفاعي لتشكّل ارتدادًا حادًا عن الخطاب التنويري والاعتدال والجامع الذي عرفته سوريا، والذي جسّده سابقًا مفتي الجمهورية الدكتور أحمد بدر الدين حسون بنهجه الانفتاحي والوطني القائم على التسامح والمواطنة والتآخي بين جميع المكونات. وبدلًا من الحفاظ على تلك المرجعية التنويرية، اختار الرفاعي التماهي الكامل مع الفكر الإلغائي، مفسحًا المجال لتطبيق أدبيات ابن تيمية ولنهج محمد بن عبد الوهاب التكفيري، بدلًا من الرسالة الجامعة والسمحة التي جاء بها النبي محمد بن عبد الله.
إن شرعنة هذا الفكر ومحاولة فرضه كمرجعية فرضية تعني عمليًا استبدال الإسلام السمحي بأيديولوجيا صلبة تغذّي الفرز وتلغي الآخر.
إن ادعاء الرفاعي الجمع بين المدارس الإسلامية التاريخية — كالجمهرة الأشعرية والماتريدية والمذاهب الأربعة — وبين السلفية القائمة في أصلها على تكفير المخالف، تسقط حقيقته أمام واقع الممارسة؛ إذ كيف يستقيم التغنّي بالتنوع والتسامح، في وقت يُلاحَق فيه كل صاحب خطاب تنويري ومستقل، ويُقتصّ منه لمجرد طرحه أفكارًا تجديدية أو داعية إلى المواطنة؟
إن هذا التناقض الصارخ يثبت أن تلك البيانات ليست سوى مناورة لمنح الحصانة الفقهية لأرباب الغلو، وتهميش أطياف المجتمع السوري ومكوناته التي تقع تلقائيًا خارج هذه الأطر التكفيرية الضيقة.
إن سقوط المؤسسة الدينية بدمشق اليوم في فخ التبعية للفكر الوهابي، وتحويل الفتوى إلى غطاء للأيديولوجيا التكفيرية، يمثل تهديدًا مباشرًا لنسيج المجتمع السوري. إن سوريا، التي صمدت عبر التاريخ بتنوعها الفكري والتنويري، تقف اليوم أمام محاولة لتجريف هويتها وتغيير ثوابتها الجامعة، عبر مقايضة تضع التكفير في صدارة المشهد وتغلق الباب أمام التعددية والمواطنة.



